الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
142
شرح ديوان ابن الفارض
( ن ) : قوله لزورة زور الطيف ، المعنى في ذلك طيف خيال المحبوب الحقيقي ، وهو ما يتجلى به الحق تعالى من الصور الخيالية ، فإنه لما استيقظ من نوم الغفلة بالموت الاختياري من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » لم يثبت عنده ذلك في خياله ، وتحقق بالغيب المطلق عن الحس وعن العقل ، وزادت عليه الأشواق فتمنى حصول طيف الخيال له . وعلم أنّ ذلك لا يحصل له إلا في نوم الغفلة فتعرّض لنوم الغفلة وهو في اليقظة الحقيقية ، فتغافل بتغميض عين بصيرته طمعا في حصول ذلك الطيف له مع علمه بأن محبوبه لا صورة له من حيث هو ، وهو يعلم أنّ الصور كلها له من حيث ما هو نائم بنوم الغفلة عنه . اه . فما أسعفت بالغمض لكن تعسّفت عليّ بدمع ثم الصّوب هطّال [ الاعراب والمعنى ] « فما أسعفت » أي فما أعانت العين بالغمض بضم الغين لضم العين . « لكن تعسفت » أي ركبت التعاسيف وسلكت طريقا إلى التعب ليس بلطيف . و « عليّ » متعلق بتعسف . و « بدمع » متعلق به أيضا . و « دائم الصوب » مجرور صفة لدمع ، وكذلك « هطال » . و « الصوب » بفتح الصاد وسكون الواو النزول ، يقال صاب المطر صوبا أي نزل . و « الهطال » ، على صيغة فعال من الهطل ، وهو السكب فكان الدمع النازل سببا لعدم الغمض ، وعدم الغمض سببا لعدم زيارة الطيف فارتفعت حينئذ حيلته المنصوبة وبعدت عنه زيارته المطلوبة ، وحصل عليه التعسف وبعد الإسعاف ، وجارت عليه جيرانه لعدم الألطاف . وما أحسن قول الأرجاني : ما زار إنساني سواهم بعدهم * إلا وألقى ستر دمع فاحتجب وفي البيت قرب اللفظ في أسعفت وتعسفت ، والطباق لتضاد المعنيين فيهما . اه . فيا مهجتي ذوبي على فقد بهجتي لترحال آمالي ومقدم أوجالي [ الاعراب والمعنى ] « المهجة » بقية الروح و « ذوبي » أمر للمؤنثة المخاطبة بالذوبان ، وحقيقته اضمحلال الجسم وصيرورته ماء كالثلج يذوب ويصير ماء . و « البهجة » بفتح الباء الموحدة وهي ما يبتهج به الشخص أي ما يتزين به . أي ذوبي يا بقية روحي لأجل فقد ما كنت أبتهج به وهو الحبيب . وقوله « لترحال آمالي ومقدم أوجالي » مقابلة اثنين بإثنين لأنّ الترحال في مقابلة المقدم ، والآمال في مقابلة الأوجال ، ولو بطريق اللزوم ، لأنّ الأوجال جمع وجل وهو الخوف ولا شك أنّ المطلوب خلاف ما يخاف منه .